كوثر
****
قصة قصيرة
***************
( يا أرض اتهدي ما عليك قدي )
كانت ( كوثر ) مذ نعومة أظافرها تضع هذا المثل أمام عينيها متخذة من جدتها لأبيها من تحمل اسمها قدوة، ومثل فقد عاشت جدتها حياتها كما يحلو لها قوية جبارة الكل يخضع لها. كلمتها بألف رجل تنفذ على رقاب ولديها حرفيا دون مناقشة أو حتى محاولة للجدل، فقد كانت جدتها مثلها أبنة وحيدة لرجل ثري رزق بها بعد فترة غير وجيزة من الزواج. دللها، وأغدق عليها من الحنان، والحب، والرفاهية مايكفي لتربية عشرة من الأبناء. كانت طلباتها أوامر تجاب، وتنفذ في الحال، وحتى يضمن لها الوالد حياة كريمة مرفهة بعد وفاته سجل لها كل مايملك من أملاك، وأموال وكان هو المتصرف في كل شيء كوصي عليها إلى أن بلغت سن الرشد فطلب منها أن تشاركه وتنزل معه لمعترك الحياة حتى تتعلم كل شيء، وتدير أملاكها بنفسها، ولا يتحكم بها أي إنسان عند وفاته، وظلت هكذا شديدة صعبة المراس إلى أن وقعت في الحب (سبحان المعز المذل ) أحبت نعم أحبت لكن ! أحبت من ؟ ( علاء ) صاح أبيها ألم تجدي في الدنيا كلها سوى هذا أل ( علاء ) حاولت إقناعه، ولكنه رفض رفضا باتا أن يبارك لها الزواج منه. صحيح أنه يعطف عليه، ويحنو على والدته، وأخواته لكن أنه ( أبن الخادمة ) التي تعمل لديهم حاول الأب إقناعها بالحسنى تارة، والشدة تارة مهددا أياها بحرمانها من كل شيء لكنه سلطان الحب الذي يعمي الأبصار، ويضع على القلوب أقفالها. أصرت بعناد شديد، ورفض الأب بعناد أشد، وذات يوم لا شمس له اختفت ( كوثر ) مع مبلغ مالي ضخم من رصيد الشركة كذلك اختفى ( علاء ) حاول الأب جاهدا الوصول لهما لكنه فشل فسلم أمره لله، وأنتظر، ولم يطرد أم
( علاء ) من خدمتهم فلا ذنب لها.
وبعد ستة أشهر فوجئ ب (كوثر ) أمامه بدون (علاء) وحاملا لجنين لا ذنب له سوى أنه أبن (علاء) حاول الأب التغلب على مشاعره وطردها لكنه لم يستطع، وضمها لصدره وتركا لدموعهما العنان، وأخذها للبيت، وقصت له تغير أحوال (علاء) بعد انتهاء المال وإصراره على بيع أملاكها أو تتنازل له عنها حتى يضمن أنها لن تتركه وعندما رفضت طردها من الشقة التي استأجرتها بمالها، وكيف ظلت يوما كاملا تهيم على وجهها في شوارع المدينة، ثم قررت العودة لحضن سندها أبيها، فطلب منها الأب أن تنسى هذه الفترة من حياتها، فبكت، وقالت:" وماذنب الجنين ليولد بلا أب"
تعجب! الأب لها ونهرها قائلا:" أمازلت تحبينه، وتريدين استكمال الحياة معه أطرقت برأسها للأرض، ولم ترد! فقال لها :"لك ماتريدين لكن أتركي الأمر لي أدبره بمعرفتي، وأحضر الأب (علاء) وألحقه بعمل بالشركة ووفر لها شقة تمليك لكن بعيد عنه حتى لا يتحسر عليها، وعلى ما فعلته بنفسها، ووضعت توأما ولدين.
وكان ( علاء) يزيد تجبرا، وتوحشا عليها وعلى العاملين بالشركة خاصة بعد أن وضعت التوأم ففاض بالأب، وفصله من الشركة وطلب منه طلاق أبنته فساومه على ثمن الطلاق فأعطاه ماطلب، وتنازل عن التوأم بأوراق مكتوبة عند محامي الشركة واختفى نهائيا فعادت ( كوثر ) للعمل بالشركة ( وعادت ريما لعادتها القديمة) أكثر تجبرا وشدة، وتركت تربية الولدين لأبيها، وكان قاسيا عليهما وصب جام غضبه من أبيهم عليهما لدرجة تفكيره في تزوير أوراق لنقلهم باسمه وحذف اسم ( علاء ) من شهادة الميلاد ولكن مخافة الله جعلته يتراجع . وبعد فترة توفاه الله بعد أن زرع القسوة في نفوس التوأم، وكبر الولدين، وتزوجا، وكانت ( كوثر ) حفيدة (كوثر) هي الأبنة المدللة لجدتها، وعاشت الحفيدة حياتها كما يحلو لها تأمر تطاع، ولا يرفض لها طلب نهائيا إلى أن حدثت الطامة الكبرى ( وقعت في الحب) وكادت أن تتكرر قصة الجدة وتعكر صفو حياة الأسرة لكن الجدة تدخلت، ووأدت القصة في مهدها مع الفرق أن ( كوثر ) الحفيدة لم تجد أبا حانيا يفعل معها مثلما فعل والد جدتها معها .
فانطوت الزهرة الجميلة وذبلت وأسلمت نفسها للإدمان إلى أن صعدت روحها إلى بارئها بجرعة زائدة أودت بحياتها.
************* علية مصطفى خضر ************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق